الغزالي
92
الرد الجميل لإلهية عيسى بصريح الإنجيل
إلى أنه لم يكوّن من مني ، وإنما كوّن / بقدرته . يشير بذلك إلى فوات السبب العادي ، وإذا فات السبب العادي ، أضيف إلى السبب البعيد المشبّه بالحقيقي ؛ وهو : كلمة اللّه عزّ وجلّ ، وقد أتى بالمماثلة صريحا ، فقال : إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ « 1 » . وكذلك أيضا ، قوله : وَرُوحٌ مِنْهُ « 2 » أي : وهو روح ، تكوينها صادر عنه ، منفكا عن الأسباب العادية التي يضاف إليها المسبّب عادة . فالصلة ؛ في مكان الصفة للروح . فإن قيل : تمام هذه الحجة فرع لكون الكلمة سببا ، وسببها / فرع لردّها لقاعدة الشرط وما يترتب عليه من الجواب ، وذلك ممتنع لما يلزم من عدم المغايرة بين المسبّب وسببه . قال الفارسي « 3 » : لو جاز أن يكون مثل ذلك جوابا لكان قوله تعالى :
--> - أما ثانيا : فإن تأويل معنى اليدين إلى القدرة ؛ باطل في لغة العرب . وبيان ذلك : - أن العرب قد تطلق اليد بمعنى القدرة والنعمة وغيرهما ، إلا أن اليد إذا ثنّيت فلا يجوز إطلاقها إلا على معناها الحقيقي . وفي هذه الآية جاء اللفظ هكذا « بيدي » ، فلا يحمل ذلك المعنى إلى القدرة لأنه لا يجوز أن يقال : إن للّه قدرتين أو نعمتين ! ! لذا قال الشوكاني - رحمه اللّه - : « وقيل : التثنية في اليد ؛ للدلالة على أنها ليست بمعنى القوة والقدرة ، بل للدلالة على أنهما صفتان من صفات ذاته سبحانه » . انظر « فتح القدير » ( 4 / 586 ) . ثالثا : أن هذا التأويل لم يرد عن أحد من الصحابة أو التابعين ، وهم أعلم بكتاب اللّه منا . رابعا : أنه لو كان المراد باليد القوة ، ما كان لآدم فضل على إبليس ، بل ولا على أحد من المخلوقات الأخرى ، لأنهم خلقوا بقدرة اللّه وقوته ، ولو كان المراد باليد القوة والقدرة ؛ ما صحّ الاحتجاج على إبليس ، إذ أن إبليس سيقول : وأنا يا رب خلقتني بقوتك ، فما فضله علي ؟ ! وللمزيد حول هذا الموضوع ؛ انظر : « مجموعة الفتاوى » ( 5 / 65 ) و « شرح العقيدة الواسطية » للعلامة محمد بن صالح العثيمين ( 1 / 291 - وما بعدها ) . و « إبطال التأويلات » لأبي يعلى الفراء بتحقيق محمد الحمود النجدي . وغيرها من كتب العقيدة السلفية . واللّه الموفق . ( 1 ) سورة آل عمران : 59 . ( 2 ) سورة النساء : 171 . ( 3 ) هو : الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي ، أبو علي . عالم بالنحو . من كبار علما العربية ، ولد سنة 288 في فسا ، في بلاد فارس . دخل بغداد سنة 307 ، وقدم حلب سنة -